المناوي
84
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
الآخرة وراه ، واتّخذ إلهه هواه ، وقصر همّه وهمّته على حظّ نفسه ودنياه [ فغاية مطلبه حبّ ] « 1 » الجاه ، والمنزلة في القلوب ، وتحسين الزّيّ والملس غاية المطلوب ، [ والركبة والمجلس ، غير مستشعر خسّة حاله ، ولا ركاكة مقصده فهذا ] « 1 » ، لا كلام معه ، فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ الروم : 52 ] ، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ فاطر : 22 ] ، فاتّق اللّه الذي يراك حتى تقوم ، واقصر أملك عليه ، فإنّ المحروم من فضله غير مرحوم ، وما أنا وأنتم أيّها الفقراء « 2 » إلّا كما قال حبيب العجمي ، لمن قال له : ليتنا لم نخلق . قال : قد وقعتم فاحتالوا . فإن خفي عليك هذا الخطر ، وشغلتك الدّنيا أن تقضي من معرفتها الوطر ، فنأمّل كلام النّبوّة : « القضاة ثلاثة » « 3 » [ وقول النّبي صلى اللّه عليه وسلم لبعض أصحابه مشفقا عليه ] « 1 » « لا تأمّرنّ على اثنين ، ولا تلينّ مال يتيم » « 4 » نفذ أمر اللّه ، وجفّ القلم ، فلا رادّ لما حكم . ومن هنالك شمّ من الصّدّيق رايحة الكبد المشويّة ، وليت أمّ عمر لم تلد عمر ، واستسلم عثمان ، وقال : من أغمد سيفه فهو حرّ . وقال عليّ والخزائن مملوءة بين يديه : من يشتري منّي سيفي ؟ ولو وحدت ما أشتري به رداء ما بعته . وقطع الخوف نياط قلب ابن عبد العزيز فمات من خشية العرض . وعلّق بعض السّلف سوطا يؤدّب به نفسه إذا فتر ، فتراه سدى ، أم نحن المقرّبون وهم البعدا ؟ فو اللّه إن هذه الأحوال لا تؤخذ من باب السّلم والإحارة
--> ( 1 ) ما بين معقوفين مستدرك من الطالع السعيد 598 . ( 2 ) في الطالع السعيد : أيها النّفر . ( 3 ) عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، قال : أراده عثمان على القضاء ، فأبى ، وقال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « القضاة ثلاثة ؛ واحد ناج ، واثنان في النار ، من قضى بالجور أو بالهوى هلك ، ومن قضى بالحق نجا » . رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وأبي يعلى بنحوه ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد 4 / 193 : ورجال الكبير ثقات . ( 4 ) روى أحمد في المسند 5 / 180 ، والنسائي 6 / 255 ، في الوصايا ، باب النهي عن الولاية على مال اليتيم عن أبي ذر قال : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا ذر ، إني أراك ضعيفا ، وإني أحبّ لك ما أحبّ لنفسي ، لا تأمّرنّ على اثنين ، ولا تولّينّ على مال يتيم » .